"مؤتمر بكين".. حدثٌ ضخم أطَّر لمرحلة فاصلة بين مرحلتين من مراحل الاهتمام بقضايا المرأة عمومًا والمسلمة خصوصًا، فبعده جرى تبدلٌ جذريٌّ في نوعية القضايا المطروحة للنقاش، وطرق معالجتها، ونوعية القائمين عليها، وأهدافها، ومدى ارتباطهم بالأجندة الدولية المتعلقة بما يسمى زورًا "حقوق المرأة".
وحدَّد القائمون على الحدث –الذي تستعد الهيئات النسائية الأهلية في الوطن العربي له، والذي يُعقد بالأمم المتحدة في مارس 2010 بنيويورك؛ لمراجعة ما تم تنفيذه من بنود وثيقة مؤتمر بكين الذي انعقد في الصين عام 1995- هدفًا واحدًا مفاده "عولمة المرأة" عبر محو التنوع الثقافي والحضاري، وإبدال كل القيم الدينية؛ سواء الإسلامية أو بعض مباديء المسيحية واليهودية وعادات الشعوب وتقاليدها، بقيم غربية تحكمها الغرائز والشهوات.
ولم يجدوا أفضل من "المرأة وحقوقها" لبث قيم الحداثة الغربية وقيمها التغريبية؛ تحت دعوى "حرية التصرف بالجسد" تارة و"الحمل الآمن" تارة أخرى وغيرها، مستغلين نقطتين شديدتي الأهمية وهما: الاستخدام الجيد لبطل التغيير في المجتمعات وهو الإعلام، وعجز التحرك العربي والإسلامي المضاد، واكتفائه بإلقاء خطبة هنا وهناك، أو محاضرة هنا أو هناك، أو إصدار كتب أو مطوية، غافلين عن دور العمل المؤسسي وإيجابيته في صد هذه الدعاوى، وتبني المشاريع المناهضة لها.
بكين و"عولمة المرأة":
وبنظرة تاريخية سريعة لـ"مؤتمر بكين"، نجد أن وثيقته قد اعتمدت في سبتمبر 1995 بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الأمم المتحدة، وحددت 12 مجالا لهذا الهدف؛ من أجل ما أطلق عليه الخبراء "عولمة المرأة"، عبر مزاعم تمكينها والنهوض بها، وإزالة العقبات التي تعترض مشاركتها في جميع مجالات الحياة العامة والخاصة، وضمان مساواتها اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، شنَّ الغرب حربًا على دول العالم الثالث خاصة في الجانبين الاجتماعي والثقافي المتعلق بالأسرة والمرأة والأحوال الشخصية؛ وحاولت الأمم المتحدة عام 1950م عقد الدورة الأولى لمؤتمراتها الدولية حول المرأة والأسرة بعنوان "تنظيم الأسرة، لكن الحكومة المصرية في العهد الملكي قاومته بقوة، وأخفق المؤتمر الذي كان يترأسه ماركسيٌّ صهيونيٌّ، وعقدت بعد ذلك مؤتمرًا في المكسيك عام 1975م، ودعت فيه إلى حرية الإجهاض للمرأة، والحرية الجنسية للمراهقين والأطفال، وتنظيم الأسرة لضبط عدد السكان في العالم الثالث، وأخفق هذا المؤتمر كذلك.
وبعد ذلك عقدت مؤتمرًا في نيروبي عام 1985م بعنوان "استراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقدم المرأة"، ثم مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية الذي عُقد في سبتمبر 1994م، وأخيرًا مؤتمر المرأة في بكين المنعقد عام 1995م بعنوان "المساواة والتنمية والسلم"، وفيه انتهت المنظمة إلى الشكل النهائي للمرجعية الجديدة والبديلة التي يُراد فرضها على العالم والهادفة إلى "عولمة المرأة".
تحرر أم تحرير:
ورسمت هذه المؤتمرات –بحسب مراقبين- إرهاصاتٍ حقيقيةً لأيدلوجية موحّدة للمرأة في جميع أنحاء العالم، والتي أصبح مؤتمر بكين هو المحرك الأساسي لهذه الأيدلوجية، وارتبط اسمه بسياسات تحرير المرأة من عبودية المجتمعات!!.
وأثارت وثيقة مؤتمر بكين الختامية، التي تقع في 177 صفحة و362 مادة، حفيظة وفود الدول العربية والإسلامية وأصحاب الفطر السليمة والمنادين بالحفاظ على الأخلاق من الأديان الأخرى، فقد نصَّت على: فرض حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية من ذكر إلى أنثى ومن أنثى إلى ذكر أو أن يختار كليهما، الاعتراف بالشذوذ، المطالبة بحق المرأة والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء، إلزام جميع الدول بالموافقة على ذلك، المطالبة بسن القوانين التي يُعاقب بها كل من يعترض على هذه الحرية ولو كان أحد الوالدين.
بطل التغيير:
ولعب الإعلام الغربي والعربي على حدٍّ سواء دورًا هامًا، باعتباره أحد الأدوات الأساسية، في دفع هذه الإيدلوجية، وإحداث تغيير في الثقافة المجتمعية المرتبطة بدور المرأة وضوابطها الدينية والأخلاقية، ومهَّد لبعض المفاهيم والقيم الوافدة، وذلك باعتماده على عنصر التكرار والإلحاح.
وفي هذا السياق، أجمعت الدراسات، التي ظهرت في أعقاب مؤتمر بكين والمعنية برصد صورة المرأة، على أنَّ وسائل الإعلام جميعها –إلا ما ندر- تقدم صورة سلبية للمرأة على اختلاف توجهاتها، حيث أكَّدت الدراسات التي أجريت على المجلات النسائية العربية أنها تخصص حوالي 75% من صفحاتها للجوانب الجمالية والمظهرية للمرأة: كالأزياء وأدوات الزينة أو المشاكل العاطفية للقارئات.
وأضحت المرأة فريسة لأصحاب القنوات الفضائية المتاجرين بجسدها من جهة، وأنصار الرؤى النسوية المتاجرين بعقيدتها وقيمها من جهة أخرى، حتى تدنت صورتها المرأة في وسائل الإعلام إلى أدنى مستوياتها.
كيف يواجه هذا التغريب:
ولكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف تواجهه الحكومات العربية والإسلامية ومؤسسات المجتمع المدني والدعاة والمفكرين والمرأة على وجه الخصوص هذه الدعوات التغريبية وصدها؟.. وكيف يتم تقديم مشاريع أكثر أهلية للعقيدة الإسلامية السمحة وقيم مجتمعاتنا وعاداتها وتقاليدها؟
في هذا الصدد، طالبت الداعية السعودية البارزة والخبيرة في الشأن الاجتماعي د. رقية بنت محمد المحارب باعتماد إدخال مادة الأسرة في مناهج التعليم من المرحلة المتوسطة والثانوية للبنين والبنات، لإظهار قيمة الأسرة ومكانة المرأة في الإسلام، وإيضاح الصبغة الشرعية للعلاقة بين الرجل والمرأة، وشرح حقوق الزوج والزوجة، مع أهمية العرض التاريخي للجهود الدولية والمؤتمرات وأهدافها الحالية والمستقبلية في تنفيذ أهدافها التغريبية.
ودعت إلى عمل رصد إعلامي جاد لكل فعاليات المؤتمرات الدولية والإقليمية ومتابعة الخطوات الفعلية لتنفيذ توصيات مؤتمرات المرأة السابقة، وتكوين هيئات عليا للنظر في كل ما يتعلق بالأسرة من النواحي النفسية والثقافية والصحية، مشددةً على ضرورة تفعيل دور وزارات العمل والشؤون الاجتماعية في القيام بدور فاعل للاستجابة لمتطلبات الأسرة المسلمة.
وناشدت مؤسسات المجتمع المدني إقامة الأسابيع الثقافية في جميع المدارس والجامعات؛ لبيان مخالفة مثل هذه المؤتمرات لمقاصد الشريعة الإسلامية، مع الاهتمام بإصدار ملاحق صحفية لبيان الموقف الشرعي من هذه المؤتمرات وتوصياتها، داعية الشارع إلى ممارسة ضغوط شعبية قوية على القنوات الفضائية؛ لتكف عن الترويج والتغطية السلبية لهذه المؤتمرات.
ولفتت الداعية البارزة إلى أهمية تفعيل دور الأئمة الخطباء، وإعطائهم الدورات التثقيفية حول هذه المؤتمرات، والإيعاز إليهم بتكثيف التوعية بخطورة هذه المؤتمرات وتوصياتها على الأجيال القادمة مع تجنب الإثارة والعنف، وتنبيه الناس إلى شيوع مصطلحات تمكين المرأة والصحة الإنجابية والمساواة التي ظاهرها الخير للمرأة، بينما هي تسلب المرأة خصائصها وتميزها.
وعلى المستوى الرسمي، طالبت د. رقية المحارب وزارات الخارجية، ووزارات الشؤون الإسلامية في الدول الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، ودور الإفتاء، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بتفعيل دورها في تكوين حضور قويٍّ في الداخل والخارج لمواجهات هذه المخططات، بالإضافة إلى مخاطبة العلماء والمثقفين والمفكرين والصحفيين والقيادات النسائية وتحميلهم المسؤولية في بث الوعي العام للوصول إلى تحصين داخلي قويٍّ.