احتفالاً بمرور خمسة عشر عاما على انعقاد "مؤتمر بكين" المعني بقضايا المرأة، والذي عقد لأول مرة في الصين عام 1995 تحت عنوان "المساواة والتنمية والسلم"، تَستعدّ الهيئات النسائية الأهلية في الوطن العربي حاليا لمؤتمر (بكين + 15)، الذي ستعقده الأمم المتحدة في شهر مارس 2010 بنيويورك، للوقوف على ما تم تنفيذه من بنود وثيقة مؤتمر بكين العالمي، وسط مطالبات العديد من الكاتبات والناشطات والمهتمات بقضايا المرأة بالتصدي لبنود الاتفاقية التي تتعارض والدين الإسلامي.
وتحذيرات من أن هذه الوثيقة تحوي بعض البنود التي تم دسها كالسم في العسل، فتحت مزاعم بأن هدف الوثيقة هو تمكين المرأة والنهوض بها، وإزالة العقبات التي تعترض مشاركتها في جميع مجالات الحياة العامة والخاصة، من خلال مساواتها بالرجل في اتخاذ كافة القرارات على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، فإن الوثيقة تفتح الطريق على مصراعيه للإباحيّة الجنسيّة، وإطلاق الحرية التامة للحمل خارج إطار الزواج، والإجهاض، وزواج المثليين.
أخطر المؤتمرات:
وعلى الرغم من كون مؤتمر بكين هو المؤتمر الدولي الرابع الذي عقدته هيئة الأمم المتحدة في الربع الأخير من القرن العشرين – فقد كان مؤتمر المكسيك أول هذه المؤتمرات وذلك عام 1975، أعقبه مؤتمر كوبنهاغن عام 1980، وكان محطة تقييمية لما طرح في مؤتمر المكسيك، ثم مؤتمر نيروبي عام 1985، والذي وضع الاستراتيجيات التطلعية للمرأة، ثم مؤتمر بكين عام 1995 الذي طرح المحاور الأساسية للعمل على قضايا المرأة - إلا أنه يعد أخطر هذه المؤتمرات، حيث طالبت وثيقة المؤتمر بحق المرأة والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء وفي أي سن تشاء، وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي، فالوثيقة لم تتحدث عن الزواج من حيث أنه رباط شرعي يجمع الرجل والمرأة في إطار اجتماعي هو الأسرة، وطالبت أيضا برفع سن الزواج وتحريم الزواج المبكر، وتبنت حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية من ذكر إلى أنثى والعكس، وأقرت الاعتراف بالشواذ ، وطالبت بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان، ومنها حقهم في الزواج وتكوين أسر، والحصول على أطفال بالتبنّي، أو تأجير الأرحام، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل طالبت بتقليص ولاية الوالدين على أبنائهم حتى داخل المنزل.
ومما يزيد من خطورة هذه المؤتمرات هو مشاركة بعض الجمعيات النسائية من دول عربية وإسلامية فيها، بل وتأثرها بها، وهو ما لوحظ في قيام عدد من الدول العربية بإجراء تعديلات في قانون الأحوال الشخصية، وما نشاهده من برامج تهدف إلى تمكين المرأة بالمفهوم الغربي ومساواتها بالرجل دون النظر في أي ضوابط شرعية مما سيهدد كيان الأسرة.
وعلى الرغم من تعدد السلبيات إلا أن هناك بعض الإيجابيات منها، الدعوة إلى المساواة في الأجور بين الجنسين العاملان بنفس العمل ونفس الجودة، وإعطاء إجازة أمومة للمرأة العاملة، ومناقشة قضايا الفتاة ما دون 18 عاما، والحث على ضرورة تعلم المرأة ومحاربة العنف ضدها.
مؤتمر بكين +5+5+5:
وجرت العادة بعد ذلك على عقد مؤتمر كل خمس سنوات، لمراجعة ما تم تنفيذه من بنود وثيقة مؤتمر بكين، الذي أقيم عام 1995، حيث تم عقد مؤتمر بكين +5 بمناسبة مرور خمس سنوات على مؤتمر بكين بنيويورك عام 2000 وخصص لدراسة مدى تطبيق التوصيات الصادرة عن مؤتمر بكين 1995م، والتخطيط للسنوات الخمس المقبلة وذلك تحت شعار " المرأة عام 2000" ، ولعل أبرز وأهم التوصيات التي صدرت عن مؤتمر بكين + 5 هو العمل على رفع التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والمصادقة النهائية عليها ، وذلك في أفق سنة 2005م، وبعد مرور عشر سنوات على مؤتمر بكين تم عقد مؤتمر بكين +10 بنيويورك الذي اهتم بقضيتين الأولى: استعراض تنفيذ إعلان وبرنامج عمل "بكين"، من خلال تقييم التقارير الوطنية للدول الأعضاء حول معالجة قضايا عدة كالفقر، والتعليم، والتدريب، والصحة، والعنف، والنزاع المسلح، والاقتصاد، وصنع القرار، والآليات المؤسسية، وحقوق الإنسان، والإعلام، والبيئة، والطفلة الأنثى.
والثانية: مناقشة التحديات الراهنة والإستراتيجيات التطلعية للنهوض بالنساء والفتيات
كذلك تم معالجة الإجهاض بعد مناقشات حامية باعتباره قضية صحية؛ حيث قالت الوثيقة الختامية بأنه يتعين أن يكون الإجهاض آمنا إذا تم تقنينه، وأنه يتعين عدم اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد النساء اللاتي يخضعن لتلك العملية، ويزمع عقد مؤتمر بكين +15 في شهر مارس 2010 بنيويورك بمنسبة مرور خمسة عشر عاما على مؤتمر بكين لمراجعة ما تم تنفيذه من بنود وثيقة مؤتمر بكين العالمي.
التصدي واجب:
البنود التي تضمنتها وثيقة مؤتمر بكين والتي تعارضت مع مباديء الدين الإسلامي أثارت حفيظة العديد من الكاتبات والناشطات والمهتمون بقضايا المرأة وجعلتهن يتصدين لهذه المباديء ومن بينهن الأستاذة عائشة الفيفي الصحفية في جريدة عكاظ التي رأت أنه يجب تنظيم حملات إعلانية وإعلامية تهتم بنشر القيم الإسلامية، وتناهض هذه المؤتمرات ليس من خلال الردّ عليها ، بل من خلال إشاعة القيم الإسلامية الإنسانية، واقترحت أن تتكاتف المؤسسات الإسلامية صاحبة الرؤية الإسلامية والفكر الهادف لمواجهة هذه المؤتمرات والتصدي إعلاميًّا وفكريًّا لها.
ووافقتها الرأي الدكتورة رقية بنت محمد المحارب أستاذ مساعد بكلية التربية بالسعودية، مؤكدة على ضرورة أن تعي المرأة المثقفة أن هناك جهات دولية تسعى إلى تغريب المجتمع، ولكن بطريقة إسلامية!، أي عن طريق جهات لها قبول في المجتمع.
وتابعت: من واجب العلماء والمفكرين وضع خطة شاملة وواقعية لمواجهة الضغوط التي تقع على عاتق الدول الإسلامية، ودعت الجهات الدعوية والتعليمية إلى حشد جهودها الفكرية والدعوية، وإقامة سلسلة من الفعاليات الثقافية، وورش العمل لبيان المخالفات التي تحملها المؤتمرات الدولية والإقليمية والآثار السلبية لتنفيذ التوصيات وقبولها على مختلف الجوانب في المجتمعات الإسلامية، لتحقيق الأمن بمفهومه الشامل ومنه الأمن الفكري والاجتماعي، ورأت ضرورة اعتماد إدخال مادة الأسرة في مناهج التعليم من المرحلة المتوسطة لتوضح لأبنائنا قيمة الأسرة ومكانة المرأة في الإسلام، و الصبغة الشرعية للعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعرفهم بحقوق الزوج والزوجة، على أن يشمل هذا المنهج الأفكار المتصادمة مع الفطرة، ويبين عرضاً تاريخياً للجهود الدولية والمؤتمرات وأهدافها الحالية والمستقبلية، وكذلك يجب الاهتمام بإصدار ملاحق صحفية لبيان الموقف الشرعي من هذه المؤتمرات وتوصياتها.
وتابعت :على المسؤولين تعريف الأجيال القادمة أن الإسلام أقر مبدأ المساواة بين الذكر والأنثى في القيمة الإنسانية، فاعتبر أن الرجل والمرأة متساويان أمام الله عز وجل في الخلقة والتكوين، وهما أيضاً متساويان في الحقوق والواجبات داخل الأسرة، إلا أن هذه المساواة بين الرجل والمرأة ليست مساواة تامة، فهي لا تشمل التكوين الحيوي البيولوجي ولا تشمل الوظائف الطبيعية الفسيولوجية.
ومن هنا نستطيع القول أن هذه المؤتمرات ما هي إلا وسيلة لتغريب المجتمعات كافة، وحملها على تبني الثقافة الغربية في شتى مجالات الحياة، بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، وهي غزو صريح يستهدف الدين والثقافة، لذا يجب أن يعي المسلم جيدا ذلك، ويحاول التصدي له من خلال تربية النشء على التمسك بالدين الإسلامي ومبادئه.