مثَّل "معرض الرياض الدولي للكتاب" عبر سنواته حراكًا ثقافيًّا غير مسبوق في المملكة العربية السعودية، وبات يقول البعض إنَّ "الكتاب العربي أصبح يُكتب ويُطبع ويُقرأ في القاهرة والرياض معًا" بدلا من المثل المأثور من أنه يكتب في القاهرة ويطبع في بيروت ويقرأ في بغداد.
وتعد معارض الكتاب عامة و"الرياض" على وجه الخصوص تظاهرةً ثقافيةً، تسعى لدعم الفكر والتقدم، وتحليل الواقع، ووضع الحلول من أهل الاختصاص والفكر في القضايا المختلفة؛ الأمر الذي سعت إليه السلطات السعودية جاهدة في تنظيمها لمعارضها الدولية، في حين وصف الكثير من الخبراء هذه الجهود بـ"إنجازات ثقافية استثنائية".
و"معرض الرياض الدولي للكتاب 2010" أحد أهم المنابر الأدبية بالسعودية التي توفر مناخ ملائم للالتقاء بين مختلف الاتجاهات الفكرية والأدبية في العالم العربي، وفتح أسواق جديدة أمام آلاف الناشرين من المنطقة والعالم، لتحقيق فرص التبادل الحر للكتاب في الشرق الأوسط، والتعرف على أحدث ما وصل إليه الفكر، بالإضافة إلى تذليل صعوبة تسويق الكتاب خلال تبادل حقوق التأليف والنشر والترجمة، ودراسة الوسائل والأساليب المساعدة على نشر الثقافة والفكر، ناهيك عن إتاحة الفرصة لتبادل الخبرات بين الناشرين والموزعين والمؤلفين والأدباء ورجال الأعمال والأكاديميين والمنظمات العربية والدولية.
وينطلق "معرض الرياض الدولي للكتاب" في الثاني من مارس 2010م الموافق 26 ربيع الأول 1431هـ، بمشاركة أكثر من خمسمائة وخمسين دار نشر عربية، سجلت مشاركتها في هذا الحدث حتى الآن، والذي يستمر 11 يومًا.
إنجازات وانتقادات
وأجمعت الكثير من آراء الخبراء والكتَّاب العرب والمثقفين لهذا الحدث على أن هناك إنجازات ملموسة قامت بها وزارة الثقافة والإعلام السعودية على مدار السنوات الماضية، رغم نقدهم بعضَ المظاهر السلبية التي شابت المعارض السابقة.
وأبرز ما تم إنجازه -بحسب المراقبين- هي المرونة الكبيرة في الرقابة على المعروضات، والتي حققت نجاحًا كبيرًا شكلا وموضوعًا، وكان لها السبق في نجاحه خاصة في أعوام 2007و2008و2009.
وهو الأمر الذي أعطى لدور النشر المشاركة -وبشهادة مسؤوليها- حرية اختيار عناوين الكتب الثقافية والسياسية والفكرية والدينية والاجتماعية، دون أي تدخل كما كان الحال؛ مما أوجد كتبًا في المعرض كان يصعب تواجدها، بما فيها السياسية بكل ما تحمله من هجوم جلي على النفط وأراضيه! وروايات كثيرة كان يستحيل تواجدها.
وذهب البعض إلى التساؤل: لماذا لا توجد وزارة خاصة بالثقافة ترعى هذه الجوانب الإبداعية والتراثية والحضارية، وتحصر اهتمامها بها وبكل ماله صلة بها، خاصة مع المساهمة الكبيرة التي للثقافة السعودية في الجوانب الثقافية والفكرية العربية؟!!.
المرأة.. قارئة ومحاضرة
ورأى فريق آخر أن أبرز إنجازات معارض الرياض للكتاب على مدار سنواته هو تواجد المرأة السعودية قارئة ومحاضرة ومناقشة ومقتنية؛ الملمح الذي يدحض إصرار البعض على أنَّ ما ينشر أو يبث عن السعوديات يقتصر على عالمي الموضة والتزيين، بحسب كتَّاب عرب ومثقفين
وشددوا على أنه "الأمر الذي أكد الدور الثقافي الذي باتت تضطلع به المرأة السعودية، وتفنيد اهتمام البعض بهامش حياتها؛ من عدم قيادتها للسيارة أو غيره".
حسن التنظيم
وبدورهم، أثنى الكثير من أصحاب دور النشر والطباعة على حسن التنظيم والأداء والإشراف للجنة الرقابة الخاصة بالمعرض؛ ودور هذا التنظيم في تفاعل عشرات الآلاف من السعوديين رجالاً ونساءً الذين جاءوا للاطلاع والاقتنا، متمنين أن تشهد المعارض المستقبلية نفس التنظيم وحسن الأداء.
ارتفاع الأسعار
وفي المقابل، انتقد كثير من زوار المعرض خاصة في عامي 2007 و2008 ما أسموه الظاهرة الجنونية في ارتفاع أسعار المعروضات، مؤكدين أن هناك جانبًا من تقصير القائمين على المعرض في مراقبة الأسعار ومحاسبة من يتلاعب بها، خاصة أصحاب دور النشر الخارجية.
وقالوا إنَّ ارتفاع الأسعار تراوح نسبته ما بين 20 و25% من قبل دور النشر خاصة الخارجية؛ بحجة تكاليف النقل، وأجور المكان وغيرها، وعبروا عن استيائهم من أنهم رغك ذلك مضطرون إلى الشراء؛ بسبب عدم وجود بعض الكتب في المملكة.
السنغال.. ضيف الشرف
وأعلن وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية د. عبد العزيز السبيل والمشرف على المعرض أن ضيف الشرف في "معرض الرياض الدولي للكتاب" لهذا العام، هو دولة السنغال الشقيقة.
وبيَّن السبيل أن المعرض سينطلق في موعده السنوي المعتاد وهو الأول من مارس، الموافق السادس عشر من شهر ربيع الأول 1431هـ، موضحًا أنَّ أكثر من خمسمائة وخمسين دار نشر طلبت الاشتراك حتى الآن في المعرض، والذي يحظى باهتمام كبير من دور النشر العربية.
ولفت إلى كافة قطاعات الوزارة وبتوجيهات من معالي وزير الثقافة والإعلام د. عبد العزيز بن محيي الدين خوجة وبالتعاون مع الجهات الحكومية الأخرى، جنَّدت طاقاتها لإنجاح هذا الحدث الثقافي الوطني، داعيًّا الله سبحانه وتعالى أن يكون النجاح محالفًا للمعرض هذا العام كما كانت المعارض السابقة، من خلال تواصل الجمهور مع المعرض ونشاطاته وبرامجه.
حدود الانتفاح والتقييد
ولكن بات السؤال التي يطرحه الكثير من الشارع السعودي وهو: ما هي درجة الانفتاح والتقييد على كتب المعرض؟ وهل تشهد انتفاحًا للغث والثمين تحت دعوى الحرية الفكرية؟ أم تقييدًا تحت دعوى مكافحة الغلو والتطرف؟! أم مرحلة وسط بين هذا وذاك؟
ومن ناحية أخرى، هل يواكب الإنتاج الثقافي العربي في المعرض تطلُّعات القارئ العربي؟ وما هي الاتجاهات التي ستغلب عليه؟ وما هي أشهر الكتب أو القطاعات مبيعًا خلاله؟