الاسم
البريد الإلكتروني

رسالة المرأة أزواج وزوجات

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
إرسال طباعة تعليق حفظ
أثافي التربية
حامد الإدريسي
الجمعة 21 صفر 1431 الموافق 05 فبراير 2010
    


لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده بسبب كفره أسفل سافلين، وما بين هاتين الكلمتين بون شاسع، وفي هذا البون يرتب الناس علوا ودنوا، فمنهم من ارتقى ليحقق أسمى معاني الإنسانية، ومنهم من هوى لتطغى عليه البهيمية الشهوانية، وكانت هذه الرحلة بين هاتين المسافتين هي الطريق التي يسلكها كل مرب ليقي نفسه وأهله نارا وقودها الناس والحجارة.

إذا عرفنا أن هذا المخلوق الصغير، الذي يترعرع بين أحضانك أيها الأب أيتها الأم، هو إنسان فطري بريء، سيخوض امتحانا هو من أشق الامتحانات، وسيتعرض في هذه الحياة لخطوب وأهوال، وسيبتلى كما ابتلي الذين من قبله إما بالخير وإما بالشر، إما بالغنى وإما بالفقر، إما بالصحة وإما بالمرض، وسيقف أمام منكر ونكير، وسيعرضانه إما على الجنة وإما على النار، وإذا عرفنا أن رزقه قد ضمن له من قبل أن يخلق هذا الخلق بخمسين ألف سنة، وأنه سيأكل ما كتب له، ويلبس ما كتب له، ويسكن حيث كتب له، وأنه لن يزيد في رزقه دانقا، ولن يؤخر في أجله دقيقة، تحددت عندئذ مسؤوليتنا كمربين في جعله يجتاز هذا الامتحان الصعب الذي أقيمت من أجله هذه الحياة، وشيدت هذه السماوات، وبنيت هذه الطبيعة بكل تفاصيلها، وأقيمت هذه الدنيا بكل مغرياتها، بل لم يخلق الخلق كلهم إلا من أجل امتحان العبودية، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[1]).

ولو جعلنا ميزانا للتربية الصحيحة، وقلنا إنه هو الذي يسلك بالمتربي الطريق إلى السعادة الأبدية، وذلك بصلاح الدين والنجاة من هذه الدنيا، لكان ميزاننا مقبولا بالعقل والمنطق قبل الدين والشرع، وذلك أن الإنسان خلق ليعيش لا ليموت، والموت ليس إلا مرحلة انتقالية تنقله من حياة الامتحان والابتلاء، والمصائب والنكبات، إلى حياة أخرى من المفترض أن تدوم فيها سعادته، وتتناهى فيها متعته، إلا أن يكون من الأشقياء.

فالحياة الدنيا بالنسبة إلى الآخرة ليست إلا عقدا من الأيام ينفرط مع أول صرخة، وتنسل حباته بسرعة انسلال حبات العقد المنصرم، لتصل في يوم أو بضع يوم إلى الدار الآخرة التي هي الحيوان: (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون[2]) أي الحياة الكاملة، ولو أردت أن تعرف أنها ليست سوى أيام قلائل فاقرأ الآية الكريمة: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) ومن شدة تيقنهم قالوا (فاسأل العادين) فأجابهم الباري سبحانه: (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون[3]).

والعقل يقول: إن ما ينقضي ويزول، لا يستحق أن يحفل به في مقابل ما يستمر ويدوم ، ولو أتيت لأقول لك: أعطني مليون ريال وأعطيك غرفة فارهة في أفخم فندق تعيش فيها أنت وأبناؤك خمس سنوات كاملات، أو أعطيك بيتا تعيش فيه حياتك كلها، لقلت لي أي أحمق أنا إن استبدلت فانيا بباق، وما ذا سأصنع بعد أن تنتهي السنوات المعدودات التي حددتها لي في ذلك الفندق الفخم ثم أرمى أنا وأهلي في العراء، وإن ليلة واحدة في العراء لكفيلة بأن تنسيني كل تلك الرفاهية التي عشتها في السنوات الخمس التي مرت كأنها يوم وليلة ! وكلامك صحيح، ومنطقك سليم، والعقل كل العقل فيما قلت، لكن اسحب معي هذا المعنى قليلا، وكبر الصورة، فماذا سترى؟

سترى مكان الخمس سنوات، خمسين أو ستين أو قل تسعين سنة، وسترى أن عمرك الذي كان هو المليون في مثالنا، قد صرف في ما لم ينفعك في مآلك، ووجدت نفسك في العراء، تحت شمس حارقة دانية من رأسك، ورأيت آخرين مظللين بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، ثم ذُهب بهم إلى الجنة، لينالوا جزاءهم، وبقيت أنت وأهلك هناك، فماذا ينفعك كل ذلك النعيم! وكل ذلك الثراء! وكل ذلك الذي كانوا يدعونه "النجاح".!!

بهذا المنطق نصل إلى أن مسؤولية المربي الأولى، هي أن ينجو بمن يربيه من هذا الموقف العصيب، ويزوده بما ينفعه لاجتياز هذا الامتحان الكبير، كما قال عنه ربنا الذي ربانا: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة) فلن يرغب أحدنا أن يكون ابنه وقودا لهذه النار التي يحرسها (ملائكة غلاظ شداد[4])، وقال في هذا المعنى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا[5]) وقد ربط بين الأمر بالصلاة وأمر الرزق لأن الاهتمام بالرزق قد يشغلك عن هذا الأمر وعن هذا الاصطبار، ثم أراحك من غير هذه المسؤولية، ونحى عنك سوى هذه التبعية، فقال: (نحن نرزقك والعاقبة للتقوى[6]) وفي كلمة نحن كل معاني العظمة والكرم والمقدرة، فاحرص على أن يكون ابنك مع المتقين لتكون له العقبى في الدنيا قبل الآخرة.

ومن هذا المنطلق نقول: لو نجح أحد المربين في أن يجعل ابنه يحتل أعلى مناصب الدولة، وزوده بكل المهارات التي جعلته يعيش في هذه الدنيا مكرما منعما، ناجحا حسب المصطلح الجديد، لكنه لم يزوده بما ينفعه في امتحان "إن أكرمكم عند الله أتقاكم[7]"، فرسب فيه، لكان في منطقنا هو الفاشل الأكبر مهما كان ناجحا، ولكان كمن اختار الإقامة في ذلك الفندق تلك السنوات، ليرمى بعد ذلك في العراء، بل في النار والعياذ بالله...

قد يتبادر إليك اعتراض، وتقول إن أمر الدنيا لا يعارض أمر الآخرة، وأن على المربي أن يجعل ولده ناجحا في الدارين، وأقول إن هذا الاعتراض غير وارد لأمرين:

الأول: أننا لا نقول إن على المربي أن يهمل أمر الدنيا، لكن اهتمامه لن يزيد في الرزق أو ينقص منه، فذلك أمر مكتوب وقدر محتوم لا تعلق له بأسباب ظاهرة، وإنما هي قسمة الله حيث يقول : (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون[8]) وكم رأينا من جاهل غني، وعالم فقير، وذكي لا يملك قوت يومه، وغبي يتقلب في الضياع والأبناء، وهذا باب آخر من العلم بالله، وقدرته في تصريف شؤون العيش، فقد يقلب حياة أمة كلها من فقر إلى غنى، ومن غنى إلى فقر في زمن يسير، وذلك من أخص صفات الربوبية: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إن على كل شيء قدير[9]).

والثاني: أن دور المربي في هذا الأمر، داخل ضمن القدر الذي كتبه الله على هذا المتربي، فقد كتب له رزقه مع سببه، وكتب له من يكون السبب في إيصاله إلى ذلك السبب.

والمقصود أن نحول هم المربي من دائرة الرزق إلى دائرة (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها[10]) أما الأخذ بالأسباب فكل يعمل على شاكلته، وكل يجتهد حسب ظروفه في تكوين المتربي وتعليمه أساليب العيش وطرق الاكتساب، وإذا تحول الهم من الرزق إلى العبادة أثمر ذلك الهم اهتماما، وأثمر الاهتمام حرصا، وأثمر الحرص عملا دؤوبا، وأثمر العمل أثرا راسخا في نفس المتربي، يعيش به قوي النفس رابط الجأش متوكلا على الله، فيواجه الدنيا بقلب المؤمن، ويقبل بذلك القلب على الآخرة، فيقال له : (يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي[11]) جعل الله أبناءنا وأبناءك من هؤلاء.

ومن جعل الآخرة همه، جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة، قال تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب[12]) وقال : (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد[13]) فمهما اجتهد المربي في أمر الرزق، فهو لن يبتعد عن (ما نشاء لمن نريد) فلن يصله إلا ما شاء الله مما أراد له الله.

إذن محور التربية هو آية (قو أنفسكم وأهليكم نارا) وتؤكدها آية (وأمر أهلك بالصلاة) ويزيدها وضوحا وهي واضحة، قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته[14]) وقوله : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظه أم ضيعه[15])، ومدار ذلك على أمور ثلاثة، لا يستقيم أمر التربية إلا عليها مجتمعة، كما لا تقوم القدر إلا على حجارة ثلاث، يسميها العرب أثافي، وهذه الأثافي التي تقوم عليها التربية هي: الخلق والعلم والصحة.

فالخلق هو روح الإنسان والصحة جسده والعلم موجهه وقائده، فمتى ما كان جسدا صحيحا، فلا بد له من روح يعيش بها بين الأحياء، وهذه الروح هي التي تعطيه سمته المميزة، وصفته الفارقة، وهي التي تسمو به إلى مصاف الفضلاء، أو تهوي به إلى مزدحم الرذلاء، فيكون كريما شجاعا لطيفا شهما، وتصبح تلك الأخلاق روحه التي ترفرف بين يديه، وتصبح حروف اسمه مختزلة لتلك السمة المميزة، فكلما ذكر اسمه حضرت تلك الصفات وزينته وجملته، وكلما استكثر منها الإنسان كلما استكثر من زينة الرجال.

أما إن كان بخيلا جبانا كذابا، وزاد على ذلك الفظاظة والتلفظ بالبذيء من الكلام، فإن تلك السمة تكون بمثابة الروح الخبيثة التي تسري في ذلك الجسد، وتقترن هذه البشاعة باسمه كلما ذكر، وتكون عباءة قبيحة المنظر كريهة الرائحة تغطيه أينما حل وارتحل.

وما الدين إلا خلق الإنسان مع ربه ومع خلقه، وفي الخلق مع الرب تدخل سائر العبادات والواجبات والعبادات والحقوق المالية والبدنية، وفي الخلق مع الخلق تدخل سائر الواجبات المتعلقة بالناس، كحسن الخلق وبر الوالدين والصلة والدعوة، لذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق[16]).

أما العلم فإنه الطريق إلى الإيمان والعبادة، وهو المرشد إلى الله عز وجل، وهو المخلص من ضلالات التخبط والجهل، وهو الذي يجعل الإنسان قادرا على العيش في هذه الحياة بمشاكلها وهمومها، وهو أساس ملكة العقل والحكمة، التي تجعله قادرا على العيش بكرامة، وترشده إلى الكسب السليم.

والصحة أساس الأمر وعموده، فلا خير في العيش إذا فقدت الصحة، فلا طعام ولا لباس ولا شيء من متاع الدنيا إلا ويحتاج صاحبه إلى الصحة، وبدونها لا يستمتع بشيء، ولا حتى بالعبادة التي تقربه إلى الله عز وجل، فالمريض لا قدرة له على الصوم ولا على الجهاد ولا على الحج، وحتى صلاته قد لا يقوم بها خير قيام.

هذه الأمور الثلاثة هي قوام التربية الصحيحة، ولو نجح المربي في تحصيل أحدها لما حقق المراد، ما لم يحصلها كلها، وبيان ذلك في مقالات ثلاث، حتى نبرز كل واحدة من هذه الأسس الثلاث على حدة، ونذكر أهم ما يعين المربي على تحصيلها، وسننشرها في هذا الموقع المبارك إن شاء الله تعالى، نظرا لأنه يخاطب رقما مهما في معادلة التربية، إنها المرأة التي هي الأساس لكل أسرة ناجحة، فوراء كل عظيم...امرأة.

 

 



[1] ) الذاريات: 56.

[2] ) العنكبوت: 64.

[3] ) المؤمنون: 112-114.

[4] ) التحريم:6.

[5] ) طه:132.

[6] ) طه:132.

[7] ) الحجرات:13.

[8] ) الزخرف: 32.

[9] ) آل عمران: 26.

[10] ) طه: 132.

[11] ) الفجر: 30.

[12] ) الشورى: 20.

[13] ) الإسراء: 18.

[14] ) البخاري ومسلم.

[15] ) الترمذي.

[16] ) صححه الألباني رحمه الله.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
إرسال طباعة تعليق حفظ
الاسم
البريد الإلكتروني
الدولة
العنوان
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم
   

إلى كل مسلمة أقول: لقد أثقل جسد الأمة جراحٌ كثيرة، ومما زاد في تعميق هذه الجراح أن تمر على الأمة الإسلامية كرامات ربانية وفترات ذهبية تُطعن الأمة فيها؛ وذلك بخنجر الجهل الذي تملكه نساؤها عن فضل هذه الأيام وشرف تلك الليالي، لتبقى نساء الإسلام دائرات في دائرة الغفلة، هائمات في مسرح الحياة الدنيا دون إدراك لشرف هذه الفرص وعظم الغنائم ورفعة المنزلة. بلقيس الغامدي

هل تشجعين على الاشتراك في المراكز الصيفية؟