أعتقدُ أنَّه من أفضل ما حصلت عليه , أن أعيشَ ضِمنَ أُسرةٍ عادِلةٍ تَقومُ بِتَوزيعِ العملِ المنزليِّ على الجميعِ بدلاً من جعلهِ واجباً خاصاً بالفَتياتِ , و هذا ما جَعلني سعيدةً , و جعلَ أخويَّ من أسوأ الفتيانِ حظاً في العالمِ .
أليس منظرُ فتىً يرتدي مِريلةَ المطبَخِ و على وجههِ رُسِمَتْ علامَاتُ الأسى فاتِناً, أليست مُحَاولاتُهُ البائِسةُ للتَهربِ من نَصيبهِ مِن العملِ المنزِليِّ تُشبِهُ فيلماً كوميدياً .. و لكنَ النِظَامَ هو النِظَام .
كانَ أخي فاشِلاً في اختراعِ الأعذارِ , و التهرُّبِ من نصيبِهِ من العملِ المنزليِّ , ولن أنسى أبداً اليومَ الَّذي قالَ فيهِ بأنَّه يتحسسُ من الماء .. أمّا بالنسبَةِ لأعذارِ التعبِ والانشغالِ الواهيةِ فليسَ هناك مشكلةٌ على الإطلاقِ فبإمكانِ الأطباق الانتِظارُ دوماً .
كانَ النِظامُ المنزليُّ يَنُصُّ على تقسيمِ الأطباقِ لِغَسلها حسبَ قوانينَ تَتَغيرُ من وقتٍ لآخر أنجحُها باعتقادي هو أن ينظِفَ كلُّ واحدٍ ما يستعملهُ فوراً , فهو يريحُ من عناءِ الوقُوفِ الطَّويلِ أمامَ حوضِ غَسلِ الأطباق , أمَّا النِظامُ السَّابقُ فقَد كانَ يَجعلُ غَسلَ الأكواب من نصيبي , أمَّا أخي الأكبر - الَّذي يَتَحسسُ مِنَ الماء - فقد كانَ يقوم بغسلِ الأطباق , و أخي الأصغر يقومُ بِتنظيفِ الملاعق .
و منذ حوالي أربعِ سنواتٍ , أي حينَ كانَ أخي الأصغرُ بسنٍ صَغيرةٍ لا تسمحُ له بالمساعدةِ في العَملِ المنزليِّ , كان النِظامُ يقسم العمَلَ قِسمَةً غيرَ عادلةٍ كُلياً حيثُ كانَ علي غسلُ الأطباقِ يوماً و أخي الأكبرُ يَفعلُ هذا في اليومِ الَّذي يَليهِ , وتخيلوا ما الَّذي سَيحصلُ حينَ نُمضي يَوماً كامِلاً خارِجَ المنزِلِ أو نتناولُ طعامَ الغذاءِ خَارِجاً .
وبالرغمِ مِن أنّها تبدو أنظِمةً جيدةً إلا أنّها لم تَخلُ مِنَ الثَغراتِ فَلم يكن هُناكَ أي لوائح تُنظمُ أمرَ ترتيبِ الأطباقِ النَّظيفة كنّا نضطر أنا و أمّي لِترتيبِها, و حينَ أشكو قِلَّة ترتيبِهم كانت والدتي تقول لي بأنَّ غيرَهم من الفِتيانِ لا يقدِّمون أي مساعدة و لم يكن هذا ليقنِعَني فقد كُنت أفضِّل أن يعملَ الفِتيان الآخرون .
ومنذ مدَّة بدأت ألحظُ ظاهرةً غريبة تتكررُ يومياً بعد تناول طَعامِ الغذاء فلسببٍ ما يتحوَّل أخواي إلى أكثر الفتيانِ طاعةً لوالدتِهما و يلتزِمان بأوامِرها حرفياً خصوصاً عندما تطلبُ – كما اعتادت – أن ينظفَ كلٌّ منّا طبقه فينظِفانِ طبقيهِما فقط , و يترُكان الملاعِقَ التِزاماً بأوامر والدتي , الأمر الَّذي كانَ يُثيرُ جنوني ..
وأيضاً اكتشَفت أنَّهما يحِبَّان لُعبة الاختِباء كثيراً فهما بارعانِ في إخفاء الأطباق والملاعِق في الحوض , و استطعنا التَّغلبَ على هذه المشكِلة فأصبحتُ حريصةً على أداء عملي أولاً فلا يبقى مكانٌ لإخفاء شيءٍ ما في الحوض .
فعلاً الفتيان فاشلون كلياً فيما يتعلّق بالأعمال المنزِليّة , ولكن هذا لم يمنع من إشراكِهما في مزيدٍ مِن الأعمال , فبسبب حظ أخوي السَّعيد لم تكن مساعدتهما مقتصِرةً على غسل الأطباق , بل كان عليهما ترتيبُ غرفتِهما , و تعليقُ الغسيل على الحِبال و تنظيفُ الشّرفات بالإضافة لمهمَّة الفتيانِ الأبديّة و هي التخلّص من القمامة .
تبدو الديمقراطية صعبةً بالنسبة للفتيان و هذا جيدٌ للغاية , لكن أعتقدُ أن عليهم تقديم بعض أو لنقل الكثيرَ من المساعَدة فلا قانون يقولُ بأنَّ هذا الأمرَ خاصٌ بالفتيات ...
حُيِّيتَ أيّها العدل .