وفي أنفسكم أفلا تبصرون:
من إحدى أهم المسلّمات والبديهيات التي بدأ الإنسان بالتسليم بها مع مطلع هذا القرن أنه لم يكتشف سوى أجزاء متواضعة مما وهبه الله سبحانه وتعالى من نِعم سواء من خلال تركيبته النفسية أو ما يمتلك من قدرات عقلية، ومن عجائب هذا الدماغ أنه يساعد القلب على أن ينبض أكثر من 50 ألف نبضة في اليوم من دون أدنى تفكير بالأمر، ويساهم في ضخ مئات الليترات من الدم في الشرايين الدقيقة التي يصل طولها إلى مئات الأمتار، كما أنه يساعد العيون على تمييز مئات الألوان في أقل من ثوان، ويقوم بتخزين معلومات هائلة فهل تعلم بأن عقولنا قادرةٌ على الاحتفاظ بحوالي 100بليون معلومة ؟ (وهذا الرقم يعادل ما تتضمنه دائرة معارف ) وأنها تمتلك 200بليون خلية ؟( ما يعادل عدد النجوم في بعض المجرات الكونية ) وعلى الرغم من عجائب خلق الله فينا إلا أننا فعلياً لا نستخدم سوى نسبة 1% من قدرات عقولنا بينما تظل نسبة 99% مهملة دون استخدام؟! بل إن دماغنا أكثر كفاءة من أي حاسوب ..! يقول المتخصصون: لو أردنا صناعة حاسوب يقوم بعمل الدماغ لاحتجنا إلى جهاز لا تتسع له ملايين ناطحات السحاب.. وهنا تولد لدينا مفاجآت عديدة لأننا نمتلك طاقات مجهولة وملكات جديدة وذكاءات متنوعة تحتاج منا إلى أن ننفض عنها الغبار ونستخدمها لتحسن حياتنا وتهبنا ما نتمنى.. وسبحان الله أحسن الخالقين.
الكشف عن مجاهل الذكاء
ما زال الإنسان منذ مئات السنين يتساءل حول ماهية الذكاء ، وكلما تقدم العلم قدم لنا مزيداً من الاختبارات والطرائق لقياس الذكاء، وحتى قدامى الإغريق والرومان كانوا يعرفون أن البشر يختلفون عن بعضهم في درجة الذكاء، وقد اكتشف الفلاسفة أن بعض الناس أقدر من غيرهم على التفكير أو حل المسائل أو إدراك الأمور.
وبدأت النظريات تعلن كشوفاتها حول الذكاء ومن هذه التعريفات:
o يشير الذكاء إلى فاعلية الفرد، بمقارنته بمن هم في مثل عمره، في تعامله مع المواقف التي تلقى فيها المهارة تقديراً عالياً من جانب المجتمع الذي يعيش فيه (حسب Fescher )
o الذكاء هو: الطاقة العامة للفرد على أن يتصرف بشكل عرضي وأن يفكر عقلانياً وأن يتعامل بفعالية مع بيئته (حسب Weshsler)
o يشير الذكاء كمفهوم إلى المجموعة الكلية من السلوكيات المعرفية التي تعكس طاقة الفرد لحل المشكلات باستبصار، وأن يكيف نفسه للمواقف الجديدة، وأن يفكر تجريدياً، وأن يفيد من خبرته(حسب Robinson& Robinson)
o الذكاء هو المخزون الكلي للمهارات المكتسبة، والجوانب المعرفية، وأنماط التعلم، وتوجيهات التعميم، والتي تعد ذات طبيعة ذهنية، والتي تكون متاحة للفرد في أي فترة زمنية[1].
o الذكاء هو قدرة الفرد العامة على توجيه تفكيره بوعي نحو متطلبات جديدة، إنه القدرة العقلية العامة على التأقلم مع مهمات الحياة الجديدة وشروطها.(حسب W.Stern)
جميعنا أذكياء!!
فيما مضى كان العلم ينظر إلى الذكاء على أنه جزء من العقل يتضمن التفكير الواعي وحل المشكلات وطبقاً لقاموس التراث الأمريكي للغة الإنكليزية The American Heritage Dictionary of the English Language فإن الذكاء هو " القدرة على تكوين مفاهيم، وحل المشكلات، والحصول على معلومات وتفسيرات، وإجراء بعض العمليات الفكرية الأخرى[2]" وهذا يدل على أن غالبية النظريات القديمة لعلم النفس اعتمدت بشكل أساسي على لصق صفة الذكاء بمن كان ذكياً من الناحية المنطقية والرياضية غافلين عن أنواع أخرى من الذكاء تم الكشف عنها نتيجة لجهود هوارد جاردنر[3] الأستاذ بمدرسة خريجي هارفارد وجامعة بوستون الذي نشر كتابه ( أطر العقل ) في عام 1983، وأثبت فيه أن الذكاء الإنساني هو مجموعة ذكاءات متنوعة و خاضعة للنمو والتنمية والتغيير، و تختلف في النمو كلها داخل الفرد الواحد أو بين الأفراد بعضهم بعضاً، معتمداً في ذلك على دراسات علمية ( علم النفس و علم الإنسان ) و دراسات أكاديمية، وأدلة وشواهد كثيرة.
ويرى هوارد جاردنر أن النجاح في الحياة يتطلب ذكاءات متنوعة، ويقرر أن أهم إسهام يمكن أن يقدمه التعلم من أجل تنمية الأطفال هو توجيههم نحو المجالات التي تتناسب وأوجه الكفاءة والموهبة الطبيعية لديهم لتقوم بتنميتها.
فهناك مئات ومئات من الطرق التي توصل للنجاح، وكذلك عديد وعديد من القدرات المتباينة التي تساعد على تحقيق النجاح.
وبالتالي فإن الذكي حقاً ليس هو الشخص الذي يستطيع بكل بساطة أن ينطق الكلمات والأعداد بطلاقة ! إنما هو الشخص الذي يستطيع أن يتعامل "بذكاء" مع الفرص والدوافع والمشكلات التي قد تخلقها البيئة المحيطة به أي من خلال استثمار هذه الفرصة وإخضاعها لتوصلنا إلى النتيجة التي نريدها. وعليه فإن الذكاء الحقيقي يعني انشغال المخ بشتى نواحي الحياة-فأنت تلعب الرياضة بعقلك، وتتواصل مع الآخرين بعقلك، وكذلك تحب بعقلك، ففي الواقع كل الحياة تسير بما يمليه العقل أولاً[4]!
جواهر الذكاء:
المباديء الأساسية التي تقوم عليها هذه النظرية :
1) كل إنسان يمتلك سبعة ذكاءات وهي:(الذكاء اللغوي، الذكاء المنطقي الرياضي، الذكاء المكاني، الذكاء الجسمي أو الحركي، الذكاء الموسيقي، الذكاء الاجتماعي، الذكاء الشخصي الداخلي) و ليس ذكاء واحداً و يعبر عنها بأشكال مختلفة و مهارات مختلفة.
2) هذه الذكاءات وراثية و مكتسبة، أي يولد بها الإنسان كاستعداد ثم يأتي دور البيئة في تنمية هذه الذكاءات (التربية ، والأسرة ، والمدرسة ، والنظام التعليمي ..).
3) كل فرد له قدرات في الذكاءات المتعددة، و هذه الذكاءات تعمل معاً، وتختلف هذه القدرات في النمو داخل الفرد الواحد، حيث نكون متقدمين جداً في بعض الذكاءات، ومتواضعين في المستويات في بعضها الآخر، ومتأخرين نسبياً في الباقي .
4) استعمال أحد أنواع هذه الذكاءات أو تطويرها يمكن أن يسهم في تنمية نوع آخر من أنواعها وتطويره.
5) أي نشاط بشري وراءه مجموعة ذكاءات و ليس ذكاء واحداً .
6) يمكن تقييم القدرات العقلية و المعرفية التي تقف وراء كل نوع من أنواع الذكاءات المتعددة والمؤشرات التي تدل على وجودها وتأويلها.
و من هذه النظرية يكون جاردنر قد وسّع الإطار و الدائرة التي تشمل الأذكياء أي فتح الأبواب لجميع الناس كي يطلقوا طاقاتهم الدفينة و يُفعّلوا ذكاءاتهم المتنوعة و يُطوّروها..
قطوف دانية وحدائق غنّاء:
أولاً- الذكاء اللغوي:Linguistic Intelligence) )
وهو القدرة على استخدام الكلمات بكفاءة شفهياً (كما في رواية الحكايات والخطابة لدى السياسيين، أو كتابة الشعر، والتمثيل، والصحافة، والتأليف) يتضمن الذكاء القدرة على معالجة البناء اللغوي، والصوتيات، والمعاني وكذلك الاستخدام العملي للغة-وهذا الاستخدام قد يكون بهدف البلاغة أو البيان (استخدام اللغة لإقناع الآخرين بعمل شيء معين) أو التذكر(استخدام اللغة لتذكر معلومات معينة) أو التوضيح (استخدام اللغة لإيصال معلومات معينة) أو استخدام اللغة للغة في ذاتها[5].
يتصف أصحاب الذكاء اللغوي بأنهم قادرون على :
|
· تهجئة الكلمات بدقة و بطريقة صحيحة ..
|
· قراءة القصة القصيرة وكتابتها أو إعادة عرضها ..
|
|
· إدراك الأساليب البلاغية إدراكاً كاملاً.
|
· امتلاك حصيلة جيدة من الكلمات .
|
|
· الاتصال و إقامة علاقات مع الآخرين.
|
· التحدث بجرأة و طلاقة مع الآخرين وإدارة حوارات ناجحة.
|
|
· الاستنتاج و تحليل الأحداث و القصص التي يسمعونها.
|
· اختيار الكتب و القصص بدون توجيه.
|
هل تعلم؟؟
ما حصيلة الشخص العادي اللغوية في مجال الكتابة والتحدث والإدراك؟
الحصيلة اللغوية المتوسطة في الكتابة من 900-1000كلمة.
الحصيلة اللغوية المتوسطة في التحدث من 1000-1100كلمة.
الحصيلة اللغوية المتوسطة في الإدراك 5000كلمة.
من أعلام الذكاء اللغوي:
من أحد الأمثلة التي أثبتت جدارتها في مجال الذكاء اللغوي أن الأديب الانكليزي شكسبير في حياته العملية القصيرة كتب ما يربو على سبع وثلاثين مسرحية، بالإضافة إلى مائة وخمس وأربعين قصيدة، وقد ترجمت مسرحياته إلى أكثر من خمسين لغة، كان شكسبير يستخدم ذكاءه اللغوي في القراءة في كل أطياف المعرفة وبهذه الطريقة اكتسب معرفة هائلة بالسياسة والعلوم والأدب الكلاسيكي والقانون واللغة اللاتينية والفرنسية والرياضيات والموسيقى والتاريخ والفلسفة والحساب والفنون وهذه المصادر أعانته في كتابة مسرحياته.
ويلعب الذكاء اللغوي دوراً محورياً في التقدم في أي مجال، فمهما كان عملك فإن جواز المرور للتعبير عن مقدراتك هو صياغتك لبضع كلمات تعرف فيها عن ما تستطيع القيام به والذين يتمتعون بهذا الذكاء يبرعون في الأعمال الآتية:
الكتابة:الصحفية، الروائية، المسرحية، التحريرية، الشعرية، الإذاعية والتلفزيونية.
وكيل إعلانات، مندوب مبيعات، مدير تسويق، خدمة زبائن.
سياسي، خطيب، دبلوماسي، محامي، قاضي، مترجم، معلم، عالم تربوي، طبيب نفسي، مستشار، علاقات عامة، مذيع تلفزيوني، مقدم برامج حوارية، ناشر، صاحب مؤسسة طباعية أو دار كتب.
هواياته:
القراءة، كتابة القصص والشعر، رواية قصة، الاستماع إلى المذياع، المشاركة في لعبة الكلمات المفقودة.
استراتيجيات اكتساب الذكاء اللغوي:
قراءة القصص، العصف الذهني، التسجيل الصوتي، كتابة اليوميات، النشر.
[1] حسين،د.محمد عبد الهادي: تربويات المخ البشري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمّان الطبعة الأولى 2003(24)
[2] ستاين، جين ماري: القدرة الذهنية الخارقة، مكتبة جرير، إعادة الطبعة الأولى 2003(5)
[3] هوارد جاردنر، مؤلف ومبتكر نظرية الذكاءات المتعددة :Multiple intelligences Theory حيث قدم دراسات وبحوث ومؤلفات علمية حول إعادة تقييم مفهوم الذكاء ووقف أمام علماء مدرسة العامل العام من الذكاء.(G.Factor)
[4]بوزان، توني: العقل أولاً، مكتبة جرير، الطبعة الأولى 2005( 3)
[5] حسين،د.محمد عبد الهادي: تربويات المخ البشري، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عمّان الطبعة الأولى 2003(38)