للأسرة مكانة هامّة في المجتمع العربيّ، وهي من أسر أي الدّرع الحصينة.
لها دور إيجابيّ لا يستهان به في التنمية والاصلاح والتقدّم . ولا نعلم أنّه كان ثمة حياة لآدم عليه السلام بمفرده، بل منذ بداية الخلق كانت معه زوجه " حوّاء ". إذن، فالعقل والفطرة تقول: الإنسان اجتماعيّ بطبعه، فلا حياة للفرد دون أسرة تكون له ملاذاً يجد فيها السكن والراحة، ويحقّق آماله وطموحاته، وتكون له حصناً من الانحراف والانحلال.
منذ بداية الخليقة، أو بالأحرى منذ أنْ هبط آدم - عليه السلام- وحوّاء الى الارض .. ومنذ أنْ كانا اثنين فأصبحا خلقا كثيراً رجالاً ونساء .. والمرأة هي المحور التي تـدور حوله أكثر القضايا في كلّ زمان ومكان.
وليس هناك من عجب ولا غرابة في ذلك، فالمرأة هي نصف الخليقة، وهي من أسباب استمرار النسل، كما أنّها المساند الأوّل والأهمّ للرجل في كلّ الميادين ماديّاً ومعنويّاً، فهي الأمّ والحبيبة، والزوج ورفيقة الدّرب، وهي الأخت، و الابنة، وهي العاملة، والطبيبة، وهي المرأة الأزليّة لحضارة الأممّ ونهضتها.. فأيّ خلل أو قصور أو عجز إنّما ينعكس أوّل ما ينعكس عليها.
فإذا وجدتَ المرأة عاملة ونقيّة وشريفة، فاعلم أنّك أمام شعب متحضّر، وأمام أمّة متقدّمة.
ولقد كرّم الله تعالى المرأة في كتابه الكريم، حيث ساواها مع الرجل في العبادات، كما كرّمها رسولنا الكريم - صلّى الله عليه وسلّم - بوصفه لها أنّها شقيقة الرجل، وأنّ الجنّة تحت أقدام الأمهات.
وقد قال - صلّى الله عليه وسلّم-:" من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهنّ كنّ له ستراً من النار ".
وقال -صلّى الله عليه وسلّم- أيضاً : " ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عزّ وجلّ خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرّته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها و ماله "
نظرة المثقّفين للمرأة:
أمّا عند كبار المفكرين والفلاسفة والأدباء، فقد اختلفت آراؤهم حول المرأة، فالبعض يراها أساس الخليقة والعضو الفعال لتقدّم الشعوب، كنابايون بونابرت ، والأديب الفرنسيّ الشهير جان جاك روسو الذي يقول: " إذا أردتم رجالاً عظماء. فعلّموا المرأة ما هي العظمة وما هي الفضيلة "
ويعتبر طه حسين أنّ المرأة هي نتاج أرض الشدائد، وأنّ الأمّ هي الذروة العليا التي تجتمع فيها الخلاصة الصافية ، أصفى ما تكون الخلاصة لخصائص الحنان والرقة في الوجدان البشري كله
وقد قال نابليون بونابرت :" وراء كلّ عظيم امرأة "، وهو القائل أيضا:" إنّ المرأة التي تهزّ المهد بيمناها تهزّ العالم بيسراها".
وفي عصرنا القريب قال شاعر النيل حافظ ابراهيم :
الأمّ مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الاعراق
ويرى البعض الآخر المرأة على أنّها أساس كل شرّ، وأنّها السبب في تعاسة بني آدم، كبرنارد شو الذي يقول :" المرأة كلّ شيء في حياة الرجل .. فبينما يكون هدفه الى الأمام، يكون هدفها الى الوراء "
أما هوميروس فيقول :" آه منك أيتها المرأة .. حينما ينزع عقلك الى الشرّ .. لا يكون في الجحيم شيطان أكثر خسّة ودناءة منك "
وقال أفلاطون عندما وصل الى القمّة:" أشكر الآلهة على أنّها خلقتني حرّا لا عبدا، خلقتني رجلا لا امرأة."
أما كونفيوشيوس حكيم الصين فيدلي بدلوه أيضا في كتاب المنتخبات ويقول:" المرأة هي أكثر ما في العالم فساداً وإفساداً"
ويقول لامارتين عن المرأة:" المرأة كتاب أبدع الخالق رسم غلافه فبدا فتنة للناظرين، ووضع مقدمته فجاءت باسمة كزهر الربيع، وكتب الشيطان فصوله فكانت خداعا وشقاء واحزانا"
ولم يكن سقراط أفضل ممّن هاجموا المرأة، فقال عنها:" المرأة هي مصدر كلّ شرّ "
ولم يقتصر ظلم المرأة والتحامل عليها على الغربيين فقط، بل تعدّاها الى المفكرين والادباء العرب، الذين نقدوا المرأة، وحطّوا من قدرها.
فالمعرّي في رسالته رسالة الغفران المرأة عنده لا تعدو أن تكون متعة ولهواً وعوناً على البطالة، أو معزفاً في معازف السماع، لا فرق بينها وبين هذا الضرب في الملاهي إلا في كونها تحسّ وتنطق، وإنّها أحبّ وأشهى الى الحسّ من سائر تلك الملاهي.
ويقول ابن المقفّع :" إيّاك ومشاورة النساء، فانّ رأيهنّ أفن، وعزمهنّ الى وهن "
ولعباس محمود العقّاد نظرته للمرأة، فهو يرى أنّها مجرّد شيء والرجل كلّ شيء، فيقول :"إنّ المرأة قوّة مسوقة وإنّ الرجل هو القوّة العاملة، إنّ عمل المرأة هو التحضير للحياة، وأمّا عمل الرجل فهو لحياتها.
فالمرأة تعطي الحياة والرجل يحبّ، والمرأة تخدم القانون المبرم والرجل يخدم الحرية المنطلقة، ولكلّ نصيب من الحياة وعلاقته بالطبيعة على قدر هذا التقسيم "
المرأة الأم :
هي الأمّ التي تحمل وتضع وتعاني الكثير عند مخاض الولادة، ثمّ تتعهّد طفلها وتحيطه بالعطف والحنان سنوات طوالاً، فتسهر على تربيته، وتنشئته تنشئة صالحة، فكانت المدرسة والمربيّة التي تخرّج الأجيال.
فقد ذكرها الله في سور متعدّدة ووصّانا على حسن معاملتها والأب :
}َوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) "
"(7) وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)"
"(14) وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)"
كما تكلّم الرسول - صلّى الله عليه وسلّم- عن الأم وعن واجب برّها؛ ففي حديث له أن صحابيّاً سأله " يا رسول الله من أبرّ ، قال امّك ، قال قلت ثمّ من؟ قال أمّك ، قال قلت ثمّ من ؟ قال أمّك ، قال قلت ثمّ من ؟ قال ثمّ أباك ثمّ الأقرب فالأقرب "
وقد حثّنا الرسول الكريم - صلّى الله عليه وسلّم- على اختيار النطف، إذ قال في حديثه الشّريف:" تنكح المرأة لأربع ،لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"
الأمّ عند الأدباء والشعراء:
وكان للأمّ منذ الأزل قيمة كبيرة في قلوب أبنائها، ولم يغفل هذة القيمة الأدباء والشعراء ، فتكلّموا عنها ، وعمّا تعنيه لهم .
فكتب عنها جبران خليل جبران :" ما أزال أشعر بقربها مني، ولقد ورثت 90 % من صفات أمي
لا يا مي ّ ، لم أكن قطّ من جدود جدود أمي ، لقد كانت ولم تزل أمّا لي بالروح، وإني لأشعر اليوم بقربها منّي وتأثيرها عليّ ومساعدتها لي ، أكثر مما كنت أشعر به قبل أن تذهب ، أكثر بما لا يقاس "
كما ذكرها محمود درويش في قصيدته "إلى أمي ":
أحنّ إلى خبز أمّي
وقهوة أمّي
ولمسة أمّي
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأنّي
إذا متّ ،
أخجل من دمع أمّي !
كذلك تكلّم عنها نزار قبّاني في عدة قصائد له منها : خمس رسائل الى أمّي
صباح الخير ... يا حلوة ..
مضى عامان يا أمّي،
على الولد الذي أبحر
برحلته الخرافيّة ..
وخبّأ في حقائبه ..
صباح بلاده الأخضر .
سلامات ..
سلامات..
إلى بيت سقانا الحبّ والرحمة ..
إلى أزهارك البيضاء ..
فرحة ( ساحة النجمة )..
إلى يختي ،
إلى كتبي ،
إلى أطفال حارتنا ..
وحيطان ملأناها
بفوضى من كتابتنا..
أتى أيلول أمّاه ..
وجاء الحزن يحمل لي هداياه
ويترك عند نافذتي
مدامعه وشكواه
المرأة الحبيبة :
الحب هو العاطفة السامية التي أوجدها سبحانه وتعالى في القلوب ، وهو من المفاهيم المركزيّة التي قام عليها الإسلام ، فصبغ كلّ تعاليمه وتوّجها بعاطفة الحبّ التي هي المحرّك الفاعل فيها .
والحُِبّ: نقيض البغض ،وهو الوداد والمحبّة
وهرم الحبّ يتسع ثمّ يضيق ، يتّسع ليشمل الأسرة والمجتمع ويضيق ليصل إلى أصل الحبّ وينبوعه ، ألا وهو حبّ الله سبحانه وتعالى .
وقد فطر الله سبحانه وتعالى الرجل والمرأة على استمالة كلّ منهما للآخر ، والاستئناس به، والاطمئنان إليه.
الحبيبة عند الأدباء والشعراء:
ولقد تغنّى الشعراء بالحب والحبيبة ، وفاضت أقلامهم نشوى بذكر الحبيبة ، وما يتركه الحبّ في النفوس.
فها هو ابن الحدّاد الأندلسي يتغزّل بحبيبته ويقول :
أسالت غداة البين لؤلؤ أجفان وأجرت عقيق الدّمع في صحن عقيان
وألقت حلاها من أسى فكأنّما أطارت شوادي الورق عن فنن البان
وأذهلها داعي النّوى عن تنقّب فحيّا محيّاها بتفّاح لبنان
وها هو الياس أبو شبكة يناجي حبيبته قائلا :
أحبّك لا أرجو نعيما يصيبني وأبذل من قلبي ولا أبغي جدوى
وقد كنت أهوى فيك حسنا أناله فأصبحت أهوى فيك فوق الذي أهوى
أراك على جفني ، أحسّك في دمي وأنشق في روحي شذا روحك الحلوا
وتكلّم جبران خليل جبران عن الحبّ فقال :
"لا تخافي الحبّ يا ماري الحبّ يا رفيقة قلبي ، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة ، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة ، اسمعي يا ماري : أنا اليوم في سجن من الرغائب ، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت ، وأنا اليوم مقيّد بقيود فكرة قديمة ، قديمة كفصول السنة ، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار ، وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود ، فنسير حرّين طليقين نحو قمة جبلنا "
المرأة الزوجة :
ومن الحبّ والحبيبة ننتقل إلى عالم آخر لا يبتعد عنهما، بل هو سببهما،ألا و هو عالم الزواج والحياة الزوجيّة.
والزواج سنّة كونية من سنن الله تعالى في الأنفس، أودعها الله تعالى لحفظ النسل، حيث يبني الزوجان بيتاً وعائلة تكبر مع الأيّام، ويعمر بها الكون .
والزوج هي السكن الذي يأوي إليه الرّجل، والروح التي يأنس إليها، والحبّ والعطف الذي يشعر بهما، والصدر الحنون الذي يستقبله بعد تعب النّهار، فيلقي عليه همومه ومشاكله، والحبيبة التي يشتاق إليها، والرفيقة التي هي ظله ترافقه مشوار حياته، فهي بلسم الحياة الشافي إن صلحت، وسمّها الناقع إن فسدت.
وهناك حقوق وواجبات يترتّب على الزوجين التقيّد بهما حتى تستقيم الحياة بهما وتصلح وتستمر.
والزوج الصالحة هي أفضل ثروة يكتنزها الرجل في دنياه وأحد أسباب سعادته الأساسيّة
والرجل مكلّف بتوفير المأكل والملبس والمشرب و حياة كريمة للزوجة،كذلك معاشرتها بالمعروف ، لقوله تعالى :} وعاشروهنّ بالمعروف {
وتحت هذه الآية يندرج احسان المعاملة في كلّ علاقة بين المرء وزوجه، من حسن الخلق، ولين الجانب، وطيب الكلام ، وبشاشة الوجه، وتطييب نفسها بالممازحة وبالترفيه عنها.
وفي مقابل هذا، على المرأة طاعة زوجها والمحافظة على ماله، وبيته وأولاده وعرضه إن غاب عنها.
والله سبحانه وتعالى فطر الرجل على القيادة، فهو الأقوى جسدا والأقلّ عاطفة، والأقدر على تحمّل المسؤوليّة وفصل الخطاب، واتخاذ القرارات الصعبة في الظروف الحرجة.
أمّا المرأة، فهي الأنثى التي جبلها الله تعالى على العاطفة، فهي السكن لزوجها، وهي الأمّ التي تحنو على أطفالها وتسهر على راحتهم.
وقد فطرها الله تعالى على الاتّكال على الرجل، والعيش في ظله، والاحتماء تحت جناحه، لذلك جعل القوامة له التي هي في الحقيقة قوامة تكليف أكثر منها قوامة تشريف، وتحت لوائها يندرج الكثير من الواجبات على الرجل للمرأة، فهي ليست مجرّد أمر ونهي كما يفهمها البعض، بل تأمين بيت والنفقة عليه، وحياة كريمة، كذلك رعاية أسرة بأكملها وتهيئة مستقبل واعد لكل فرد منها.
ومنذ القدم، والزوج ربّة في بيتها، ترعاه وتحافظ عليه، لا شغل لها إلا زوجها وأولادها، تسهر على راحتهم وتأمين السعادة لهم. فهي الملكة والبيت مملكتها، وهي المتصرّفة الأولى فيه دون مشاركة من أحد حتى زوجها في كثير من الأحيان.
إلا أنّها ابتعدت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها، وذلك بخروجها للعمل والكفاح مثل الرجل، ومزاحمتها له في العمل وفي الشارع، دونما حاجّة ملحة إلى ذلك، فإذا وجدت الحاجة، وجب عليها أنّ تعمل وتساعد زوجها، خصوصاً إذا كانت تحمل شهادة علم تؤهلها للعمل بعزّة و كرامة ، على ألا يؤدّي ذلك إلى تزعزع وتصدّع في أركان الحياة الزوجيّة، أو هدمها.
اهمال الزوج لنفسها:
مشكلة بات الكثير يعانون منها، وهي مشكلة اختفاء عاطفة الودّ بين الزوجين ، أو انتقاصها ، وضياع اللهفة والحرارة التي كانت تغلّف علاقتهما سابقا، فمع مرور الزمن، والانشغال بالأولاد والاهتمام بهم، وبتأمين مستقبل مشرق لهم، فتنسى المرأة نفسها كزوج، وما عليها من واجبات نحو زوجها، وتصرف انتباهها وعاطفتها نحو أبنائها، تسيّرها عاطفة الأمومة، متناسيّة أنّ الزوج طفل كبير، وبحاجة أيضا إلى اهتمامها
وهذا الفتور يولّد بين الزوجين هوّة تكبر مع الأيّام ، ويبدأ الزوج يفتقد الزوجة التي أحبّها وتزوجها ، و التي كانت شعلة حبّ وحنان ، تغدق عليه اهتماما وعاطفة ، ذات جمال لا تشبع العين من النظر إليها ، والآن ، تغيّر الوضع ، فما عادت تهتم بنفسها كالسابق ولا به ، وقتها كلّه لغيره ، ولا وجود له في حياتها ، فيصبح بيته الزوجيّ بيتا يأوي إليه آخر النّهار كفندق ، ولا يتكلّمان إلا لمما.
المرأة الابنة :
ننتقل من حياة الأمّ وعطفها وحنانها، وحياة الزوجة وما يترتب لها من حقوق وواجبات، إلى حياة الابنة، تلك التي كانت طفلة بحاجة إلى حنان أمّها وعطفها، فما أن تشب قليلا وتبدأ بشقّ طريقها، حتى تشعر بالحاجة الى الأقوى لتحتمي تحت ظله وتعتمد عليه، فتتفتّح عيناها على أبيها، الذي عليه إدارة الأسرة ، وله الأمر والنهي، والذي يعتبره أولاده قادرا على كلّ شيء ، وعلى تذليل العقبات مهما صعبت.
من هنا ، تجد الابنة في أبيها الملاذ الأوّل والأخير، والذي تقدر أن تلجأ إليه في الأزمات التي تصادفها في حياتها، فتنشأ بينها وبينه علاقة ودّ وحبّ أبوي وتقدير واحترام ،و تتعلّم منه التعامل في المجتمع ، ومع النّاس ، كما ترث منه الكثير من عاداته وتصرفاته، كما تتعلّم منه تحمّل المسؤوليّة وأخذ القرارات الصعبة ، ويصبح مثلها الأعلى ، ومعلّمها الأول ، واستاذها الفاضل الوقور الذي تكن له كلّ تقدير واحترام ، والذي تتلمّس سبل الحياة من خلاله ، ومع تعليماته وارشاداته الحكيمة التي تعبّد لها طريق حياتها المستقبليّة ، تصل إلى ما تريده من أمور مهما كانت صعبة وشاقة ، وفي بعض الأحيان تكون معقّدة فتستنجد به وبرأيه وتجد عنده الحلول لمشكلاتها.