فكّرتُ اليوم باختراعِ شخصيّة غريبة الأطوار، أشكّلها في خيالي أولاً، ثم أصوغها على الورق.
شخصية لا تشبه أياً من الكائنات التي نعرفها على الأرض، ولا تلك التي تخيلها الكتّاب تعيشُ في الفضاء، ولا التي أشعرونا بوجودها تحت الأرض. وأن أصنع لها عالماً خاصاً، وملامح مختلفة، وأن أنسج حولها القصص والحكايات، وأكتبُ فيها واثقةً أننا التقينا، وتحاورنا، وبأنها طلبت أن أنقل رسالتها للبشر...
وأغمضتُ عينيّ وحلمتُ أن تخرج تلك الشخصية يوماً من الورق، ويراها الناس، ماذا سيكون موقفهم حينها؟! هل سيشهقون فزعاً أم فرحاً؟!
بالتأكيد سيرفع كل واحد منهم جوّاله ليلتقط لها بعض الصور، وسينشر الخبر في كل مكان، تحت عنوانٍ عريض يؤكد وجودها فعلاً، وعلى قيد الحياة بيننا.
وسيتداول الناس الخبر، وتضج الأرض بسماعه، وستسيطر الفكرة على عقولهم، فينبشون قصص الماضي بحثاً عن شخوص لم تكتشف بعد، لعل كتابها صادفوها يوماً فألهمتهم، واحتفظوا بسرّ وجودها وكتبوا عنها، وبقي ذلك السر حتى اكتشف بعد أعوام.
هل ستكون هذه بادرة غريبة من قبلي؟!
أم أن الأمر يحدثُ فعلاً، ويتكرر في كل مكان؟!
لقد أصبحنا في زمن غريب تلتبس فيه الحقائق، وتطمس معالم الحق، فيتابع الناس الأكاذيب وهم في حالة من عجب، يهمسون سراً: " أيعقل ذلك؟!، أيمكن أن يكون ما رأيناه حقيقة؟!" كل شيء وارد...!
كما حصل مؤخراً حين أذيع خبر اكتشاف حوريّة بحر حقيقية ميتة، صورتها كاميرا الفيديو، بجسم السمكة والأنثى... ذلك الخبر الذي انتشر مؤخراً بين الناس، فتلقوه بين مصدق ومكذب ومتعجب.
أو خبر الطفلة الصينية التي بحجم عقلة الإصبع، أو الفتاة التي أغضبت أمها فتحولت إلى تمثال على شكل ماعز.
الصور تتلاعب، الإعلام يكذب، والناس بعفوية، بل بسطحية تصدّق!
مما دفعني للتفكير في الذهاب إلى سوق النّحاسين، بحثاً عن مصباحٍ مشابه لمصباح علاء الدين، لعل مارد الفانوس يظهر لي، ويسألني عن أمنياتي الثلاث، فأختار الأولى أن يُمحى الجهل والتخلف من عقول الناس، وإلى الأبد!
والجهل والتخلف لا يكونان فقط بصفة الأمية المعروفة في إطارها العام، فهنالك أميّة فكر، وأمية وعي، وأمية ثقافة تسري في عروق من نظنهم أكثر الناس تعلماً.
وهذه الأنواع هي الأخطر، فقد غزت العقول، ونهشتها، وانقسم الناس إلى شطرين...
شطرٌ قد جند عقله وطاقاته لاختلاق الأكاذيب، وابتكار أساليب الضحك على الذقون، مضحياً بالوقت والمال والعلم والأفكار من أجل خدعة! والأهداف إن ناقشناها كثيرة، وعلى مستويات شتّى..
وكأن الناس ينقصهم هذا النوع من الانشغال في تفكيرهم، وكأنما الهدف يطمح إلى شلّ ركب النهضة، وقد كان يسير بطيئاً.
والشطر الثاني من الناس، هم من صدقوا الأكاذيب تصديقاً أعمى، لم يتحققوا، لم يدققوا، لم يعملوا عقولهم حتى في أبسط الأخبار وأكثرها سطحية.
فكيف لنا أن نتقدم من الناحية العلمية مثلاً، ونحن مازلنا نسلّم بأكاذيب مخترعة على أنها حقائق مثيرة، دون أن يتحرك شيء في العقل ليسأل: لماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟
تلك الأسئلة البدائية المعقولة، والتي توصل عادة إلى الحقيقة.
وكيف لنا أن نعزز ثقافتنا وأن نبنيها، وهي قائمة عند كثير من الناس على التطير والتشاؤم واليأس والوساوس والهواجس التي لا تنقطع.
وكيف لنا أن نحمل راية الإسلام في صدورنا، وقد بات السحر واللجوء إلى المشعوذين داء العصر، فأي دواء قد يخلصنا منه؟!
أكتبُ بمقالي هذا وتحضرني رسالة مازالت تصل إلى بريدي منذ سبعة أعوام على الأقل، تتحدث عن حلم رأى فيه أحدهم شخصاً صالحاً، وطلب منه ذلك الشخص أن يطبعه في ورقة، وأن يوزعه على أربعين شخصاً، وإن لم يفعل، فستدمر حياته، ويصاب بكرب، ويحرق بيته، ويختل عقله!
أتابع الكتابة بإصرار، لأقول ( كفى) ..
ألغي الرسالة الوافدة، أشير على زر الحذف بقهر، وصرخة مكتومة داخلي تنادي... كفى...
دعونا نوقف إعصار الجهل الذي يعصف بنا من كل اتجاه، دعونا نفتح خزائن العقل لتتنفس، فقد مضى زمن طويل على إغلاقه، وبات من الضروري أن يرى النور...
لقد تلقيت رسائلكم مراراً، وحذفتها، لم أمررها كما ألححتم واستحلفتم... وإلى الآن أنا ولله الحمد بخير...
لم يحرق بيتي، ولم يشرد أولادي، ولم يهدم مستقبلي، ولم يضع عمري إلا حين بددت وقتي على مثل هذه الأكاذيب...
أيها الأحبة... كفى... بالله عليكم كفى...