كانت عيناها تدمعان بلآليء .....لآليء ماسية كنت أخشى سقوطها...رفعت منديلها الوردي وبدأت تجفف دموعها...
وجنتاها كأوراق الورد الخمري، وكأنما قطرات الندى نُثرت عليها فبدأت تبرق في انعكاس الشمس الشفافة التي كانت في ذلك اليوم تستيقظ بهدوء شديد خوفاً من أن تزعجها.
نسمات الهواء لطيفة ....جميلة...بريئة...كانت تحرك أوراق الشجر فبدا صوت الحفيف يومها أجمل من كل يوم، وانسكبت مياه النبع بكل رشاقة فأصبحت المياه الرقراقة مرآة لوجهها الدامع، وحتى لا تخرق صفو هذا المنظر الخلاب بحزنها الدفين، بدأت تقذف الحجارة الصغيرة في الماء فتتغير صورتها في حلقات الماء التي لا تلبث أن تعود لسكونها كصفحة ماسية لامعة.
حتى العصافير يومها بدأت في غناء موحد، وكأنها ترسم في الآفاق سيمفونية قادتها الطبيعة وعزفتها الحناجر الحساسة، والأجنحة الهفهافة بتركيب بالغ الإتقان منسجم المعاني والألحان.
يومها ظلت السماء مبتسمة، والأرض منتعشة، فما كان منها إلا أن ألقت بنفسها على العشب الأخضر الذي لامس جنباتها، مدغدغاً رقيقاً كريش حمامة صغيرة تستعد بعد حين للطيران.
نظرت إلى السماء نظرة حائرة، ولكن السماء أبت إلا أن تحركها، فأرسلت لها أشعة حنونة أسرت قلبها وآنسته، فنهضت بسرعة فائقة وحركت أصابعها باتجاه شعرها لترفع خصاله الليلية المتدلية على عينيها وتذكرت أننا في دائرة هذه الحياة معرضون للمتاعب والآلام، وأننا نكتشف جمالية فرحٍ كان مخبأً لنا بعد كل تعب يكللنا.
فما كان منها إلا أن وقفت لتمد بصرها إلى التلال الفسيحة، والتي قابلتها بدورها بتموجٍ متوجٍ بالخضرة الساحرة، يا سبحان الله ! سبحانه وتعالى كيف يغير حالة هذه النفس بين مدٍ وجزرٍ مما يدفعنا للتقلب بين الحزن والفرح ...هناك شيءٌ ما في الأعماق يسحر الألباب ويحرك في الصدور نَفَساً كاد أن يُخنَق، وتكتشف من جديد شعوراً يباغتها تعبر عنه شفتاها الرقيقتان بابتسامة هادئة هانئة، إنها تنظر من جديد لربوع الحياة الزاهرة التي همست في أذنيها بحكمةٍ كادت تغيب عن تفاصيل حياتها :
الحمد لله على كل حال، وشكراً لك أيها الحزن الذي علمتني أن للفرح معنىً لا نكتشفه إلا حين تفقده أيامنا، فنرى بوحه وجماله في لحظة الحزن العقيم.....